السبت، 27 أبريل، 2013

تطور الفكر التربوي عبر العصور: مذهب التربية البدائية


تطور الفكر التربوي عبر العصور:
مقدمة:
لقد مر الفكر التربوي بمراحل عديدة وأزمنة وعصور مديدة تطور من خلالها واكتسب المعنى الأصلي له هو وغيره من العلوم والمعارف الأخرى التي بدورها تنشأ وتتطور وتكتسب الحقائق وتبتعد عن الأخطاء والغموض فكلما جاء جيل عالج المفهوم الذي كان عليه الجيل الأخر مع الاجتهاد في تحسينه و تطويره وهنا نسترسل في ذكر المراحل التي تطور فيها الفكر التربوي كمايلي:
1- مذهب التربية البدائية:
1-1-     مفهوم التربية في العصر البدائي:
    اتسمت التربية في المجتمعات البدائية بالتقليد والمحاكاة و كان جوهرها التدريب الآلي والتدريجي والمرحلي، إذ كان يقلد الناشئ عادات مجتمعه وطراز حياته تقليدا عبوديا خالصا ونظرا لأن المتطلبات الحياتية لم تكن معقدة وكثيرة فلم تكن هناك مؤسسة أو مدرسة تقوم بنقل التراث وكان يقوم بالعملية التربوية أو التدريبية وعملية تكيف الأفراد مع البيئة ، الولدان أو العائلة أو أحد الأقارب وفي أواخر المرحلة البدائية كان يقوم بها الكاهن أو شيخ القبيلة.
1- 2-    خصائص التربية البدائية:
     إن التربية في المجتمعات البدائية-التي عاشت منذ خمسة أو ستة آلاف سنة، قبل اختراع الكتابة وقبل أن تصبح للتربية مدارسها ومؤسساتها الخاصة بها- تمتاز ببساطتها وبدائية وسائلها، مثلها في ذلك مثل الحياة العامة التي كانت تحياها تلك المجتمعات البدائية في فجر الحضارة الإنسانية. وتلك المجتمعات وإن تباينت في كثير من الأمور فإنها تتشابه في كثير من المميزات العامة التي من شأنها أن تلقي ضوءا على طبيعة العملية التربوية وعلى أهدافها في تلك المجتمعات. ومن بين تلك المميزات العامة نسبة الحياة إلى الجماد أثناء تفسيرهم للبيئة المحيطة بهم، فكان الرجل البدائي يعتقد أن وراء كل قوة مادية قوة أخرى غير مادية هي القوة الروحية. ومن هذه المميزات أيضا بساطة الحياة البدائية وقلة مطالبها حيث أنها لا تعدو إشباع حاجات الجسم من طعام وشراب وكساء ومأوى، وإلا من ضد عالم الأرواح.
      وبشكل عام يمكن تلخيص مميزاتها فيمايلي:
·        كانت العملية التربوية تتميز بالتوزيع إذ يشارك فيها الأبوان والأسرة و العائلة.
·        كانت العملية التربوية متدرجة ومرحلية وتبدأ من مرحلة الأكل إلى مرحلة الرعي ثم مرحلة الفروسية وتعلم شؤون الحرب إلى إن تصل إلى مرحلة الشيخوخة.
·        كانت تقوم على المحاكاة و التقليد.
        تلك هي طبيعة العملية التربوية في المجتمعات البدائية. وهدف التربية في ضوء هذه الطبيعة-هو تحقيق التوافق والانسجام بين الفرد وبيئته المادية والروحية. ولتحقيق هذا الهدف، كانت تعتمد على التلقين والتدريب العملي والتقليد اللاشعوري فمن خصائصها أنها كانت تتم بطريقة غير مقصودة، بمعنى أنها لا يتولى القيام بها معاهد ومؤسسات خاصة بها، بل يقوم بها المجتمع بأسره. كما أن من خصائصها أيضا أنها تربية مباشرة تتم عن طريق الخبرة العملية والاشتراك النشيط للمتعلم أثناء تقليده لما يقوم به الكبار من نشاط، سواء في سبيل إشباع حاجاتهم الجسمية، أو في سبيل حاجاتهم الروحية. ثم إن من خصائصها أيضا غلبة روح المحافظة عليها وسلبيتها حيث أنها كانت تسعى لاستمرار العرف السائد في الجماعة دون تغيير أو تعديل، وتحاول تشكيل الفرد بالثقافة المحيطة به تشكيلا ثابتا سلبيا وتؤدي به إلى أن يتشرب ويستبطن كل الأوضاع القائمة في مجتمعه دون أن يحاول تغييرها أو تعديلها ودون أن يكون له مجال للحرية والاختبار.  إذن أهم ما يميز التربية لدى الأقوام البدائية، أنها تهدف إلى أن يقلد الناشئ عادات مجتمعه وطراز حياته تقليدا عبوديا خاصا، فالطفل عندهم يتدرب على الأعمال التي تمارسها القبيلة كأعمال البيت، وصناعة الأدوات الضرورية، وحياكة الأقمشة، والصيد والحرب، وحمل السلاح، والرعي، والزراعة، فهي بهذا تعتبر تدريبا آليا تدريجيا على معتقدات الأسرة الاجتماعية وعاداتها وأعمالها، غير أن تربية الجنس البشري لدى الأقوام البدائية احتلت مكان الصدارة فيها الخصائص الثلاث المتمثلة في الإله والطقوس واللغة، وأن الذي يمارس التربية كما لاحظ المربي الأمريكي ديوي المجتمع بأسره بصورة غير مباشرة تتمثل في عمليات التمثيل والرقص والتقليد التي يقوم بها الصغار محاكاة الكبار لغرض نقل حركاتهم وتصرفاتهم، إلا أن هناك طقوسا تلي الولادة مباشرة، وهي مظاهر لدمج الوليد بزمرته التي ينتمي إليها، فالوليد يبقى في أيام حياته الأولى في حضن وكنف النساء وبالتالي فهو لا يندمج بالصورة المطلوبة في مجتمعه، لذلك فإنه لا بد من وجود طقوس جديدة لتحقق له الاندماج، وهذه عادة ما تكون عند البلوغ، وهذه الطقوس تغير حياته وتعتبر ولادة جديدة بالنسبة له، ويتم إعداد هذه الطقوس لفترة طويلة ومراقبة دقيقة يقوم بها شيوخ القبيلة، وهم الذين يتولون في نهاية الأمر الحفاظ على المعتقدات والطقوس التقليدية. وهذه الطقوس تجعل الخاضعين لها يتلقون تجارب قاسية وأليمة، وكثيرا ما يتم إجبارهم وإكراههم على الخضوع والصمت والصوم، وكثيرا ما يطلب إليهم أن يتلقوا تعاليم تنقل إليهم تقاليد مرعبة مخيفة. ويقول هامبلي أن هذه التجارب والمحن القاسية مفيدة جدا وضرورية لدى المجتمعات التي يتطلب تحصيل القوت فيها الكثير من العناد والإرادة الصلبة. والتربية البدائية لا تميل للقسوة إلا فيما يتعلق بالطقوس.
     والأقوام البدائية بالنسبة للتربية الجسدية يتركون لأولادهم الحرية حيث يركن هؤلاء الأولاد إلى الكثير من الألعاب الممتعة التي يتم فيها تقليد الكبار، حيث يتدربون عليها منذ نعومة أظفارهم، ففي المجتمعات المحاربة يسهمون في صنع السيوف والرماح والقسي وأدوات الحرب وآلاته، ويقلدون الكبار فيما يقومون به من معارك، أو ينصبونه من كمائن.
      أما في المجتمعات المسالمة فهم يقلدون الكبار في النسيج وبناء الأكواخ وصنع الأواني والصيد والتجديف، وهم بهذا ينمون أفكارهم، ويشبع خيالهم حتى درجة الإبداع. وفيما يتعلق بالتربية الفكرية لدى الأقوام البدائية فهي تختلف تبعا لجنس الطفل ولطراز حياة القبيلة.
     وتمتاز الأقوام البدائية بإدراكات حسية، فالسمع مرهب، والبصر حاد، والشم قوي، ينافس الكلاب، والخيال حاد يقظ، والذاكرة قوية.
     أما عن التربية الخلقية والدينية فالأجداد والآباء يحرصون بشدة على نقل مبادئ السلوك السوي والتصرف السليم إلى أبنائهم، والأوامر عندهم تتصل بتقديس الأجداد واحترام الشيوخ والآباء والشرف.
1- 3  أهداف التربية البدائية:
    ولما كانت عملية التربية في تلك المجتمعات لا تختلف عن عملية الحياة نفسها، فإن أهدافها هي الأخرى كانت نفس أهداف الحياة العامة. ومن أبرز الأهداف العامة للتربية البدائية:
-  المحافظة على الخبرة الإنسانية والتقاليد السائدة، وتحقيق المطالب التي يتوقف عليها استمرار حياة الفرد وأمنه النفسي.
1-4-     أنواع التربية البدائية: 
تنقسم إلى قسمين هما:
أ‌-       التربية العملية:  وهي تقوم على تنمية قدرة الإنسان الجسدية اللازمة لسد الحاجات الأساسية مثل الطعام الملبس والمأوى وكان يقوم بها الأبوان والأسرة بمعنى الإعداد اللازم للحصول على ضروريات الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومأوى، ولتمكين الفرد من نفسه وممن يعتمدون عليه ومن بناء علاقات طيبة مع أفراد قبيلته.
ب‌-  التربية النظرية:  وهي التي كان يقوم بها الكاهن أو شيخ القبيلة من خلال إقامة الحفلات والطقوس الملائمة لعقيدة الجماعة المحلية. بمعنى تدريب الفرد على ضروب العبادة التي يستطيع بواسطتها أن يرضي عالم الأرواح وينير إرادته الطيبة وبذلك يحقق لنفسه الأمن والسلام. وإذا كانت الناحية الأولى هي عماد التربية العملية لدى الرجل البدائي فإن الناحية الثانية هي عماد التربية النظرية عنده. 
1-  5نماذج من التربية في العصور القديمة:
     بتطور الحياة وتعقدها أصبح من الصعب على الوالدين أو العائلة القيام بعملية التربية ، ومن هنا نشأت مهنة جديدة هي مهنة المربين أو الإطار الذي يرضى عنه المجتمع ، وكانت العملية التربوية تتم في الساحات العامة أو أماكن العبادة إلى إن تطورت الأمور شيدت المدارس النظامية ومع هذا التحول والتطور ظهرت الكتابة وبدأت الحضارات تسجل نظمها وقوانينها وشرائعها ومن هنا وصلت إلينا بعض المعلومات عن تلك الحضارات القديمة وأساليبها التربوية وطرقها في نقل التراث وتطبيع الأفراد بطابع الجماعة.
ومن الأمثلة عن التربية في العصور القديمة مايلي:
أ‌-       التربية الصينية :
    فهي نموذج واضح للتربية الشرقية، كانت الغاية من التربية هي تعريف الفرد على صراط الواجب وكانت وظيفتها تقوم بالمحافظة على أعمال الحياة وما يتعلق بها من عادات وتقاليد والسير بموجب هذه المعاملات وكان ذلك يقوم عن طريق المحاكاة والإعادة والتكرار
- خصائصها :
    - تتصف بروح المحافظة.
    - تنشئ الفرد على عادات فكرية وعملية ماضية.
    - لا تقوي أية ملكة، ولا تغير أية عادة وفق مقتضيات الظروف الجديدة.
    - الحياة رتيبة.
    - السكون المطلق والجمود الفكري، فكل شيء محدد بالتقاليد الموروثة.
- التعليم :
    - آلي يكسب التلميذ مهارات آلية.
    - الاعتناء بالمظهر واللياقة.
    - الاعتناء بتمرين الذاكرة - لا بتكوين الفكر- من خلال التكرار والحفظ
      الأصم.
     في القرن السادس قبل الميلاد ظهر في الصين مصطلحان هما : لوتسي (Lao-tsee) يمثل روح التحرر والتقدم والبحث عن المثل الأعلى والثورة على العادات، لذا كان الإخفاق نصيبه. أما الثاني كونغ تسي (Cong-tsee)، واشتهر باسم الفيلسوف كونفوشيوس (551 -478 ق .م )، فقد نجح في أفكاره التي تقول بالأخلاق العملية والنفعية القائمة على سلطة الدولة والأسرة، وعلى منفعة الفرد. وأوجد مفهوما جديدا للتربية والتي تهتم بدراسة الفضيلة وخدمة الأقارب وأدب اللباس وأشياء كثيرة في شؤون الفلسفة الروحية وكان ذالك يتم عن طريق المدارس التي كانت تهتم بنظام الامتحانات التي يدخلها التلميذ.
-       وتقسم الامتحانات إلى ثلاثة أقسام :
·         امتحانات الدرجة الأولى: وتجرى كل ثلاثة أعوام وهي عبارة عن كتابة ثلاث رسائل مختارة من كتاب كونفوشيوس ويوضع الطالب أثناء الامتحان في غرفة لمدة (24 ساعة).
·        امتحانات الدرجة الثانية : وتجري بعد أربعة أشهر من الامتحانات الأولى وهي تشبه الامتحانات الأولى إلا أنها تستمر ثلاثة أيام.
·        امتحانات الدرجة الثالثة : والتي تقام في العاصمة وتدوم ثلاثة عشر يوما طبعا نسبة النجاح في هذه الامتحانات قليلة ، إلا أنها المعيار الذي يختار بناء عليه موظفو الحكومة والناجح في كل هذه الامتحانات يكون موضع ثقة الشعب واحترامه وكان الناجحون يرتدون لباسا خاصا بهم ولهم أوسمة يحملونها ولهم الصدارة في الحفلات والاجتماعات و الأعياد الرسمية. 
    يمكن القول أن التربية الصينية ركزت على نشر التعليم حتى غدت الصين أغنى بلاد العالم بالمدارس رغم أنها كانت تنشر ثقافة سطحية.
ب‌-  التربية لدى قدامى المصريين :
      كان المصريون القدامى يؤمنون بالبعث بعد الموت، وبخلود الروح، والثواب والعقاب في الدار الآخرة، وكانوا يعتقدون أن الأرواح تعود لتسكن الأجساد من جديد، ولهذا لجئوا إلى التحنيط، وبنو الأهرام، ليحفظوا فيها جثث ملوكهم.
- خصائص التربية لدى قدامى المصريين :
- يعيش الطفل – في سن الرابعة- مع ألعابه.
- التربية لم تكن لينة، فمنذ السنة الأولى من عمر الطفل يمشي عاري القدمين، حليق الرأس، طعامه من خبز الذرة.
- تقدم الأم للطفل شيئا من المبادئ الدينية والخلقية.
- الدراسة تشتمل على الدين وآداب السلوك، القراءة والكتابة، الحساب، السباحة، الرياضة البدنية.
- يتم الانتقال من المدرسة الأولية إلى المدرسة العليا بعد امتحان يؤديه الطالب.
- كان يغلب طابع الدراسة الفنية والمهنية في التعليم العالي.
- كان الأساتذة يستعملون الضرب بالعصا ، فالنظام المتبع كان قاسيا.
من إسهامات المصريين في فن التعليم :
  - استخدموا طرقا حسابية في تعليم العد، وكانوا يستخدمون الأشكال في تعليم الهندسة.
  - هم من أنشؤو أولى المكتبات العامة الغنية بالكتب العديدة في شتى الموضوعات.
   فالحضارة المصرية أولت عناية كبيرة للتربية، وقد كانت وصية أحد حكمائهم لابنه "امنح قلبك للعلم وأحبه كما تحب أمك، فلا يعلو على الثقافة شيء"، ويضيف "أذكر يا بني أن أية مهنة من المهن محكومة بسواها، إلا الرجل المثقف، فإنه يحكم نفسه بنفسه". فالمعرفة حسب المصريين القدامى وسيلة لبلوغ الثروة والمجد.
بمعنى أن  النظام التربوي كان يقسم إلى مايلي:
·        مرحلة تعليم أولية للأطفال في المدارس الملحقة بالمعابد في مكان خاص بالعلم.
·        مرحلة متقدمة وهي عبارة عن مدارس نظامية يقوم بالتعليم فيها معلمون مختصون إلا أنها كانت تقتصر على أبناء الفراعنة والطبقة الأولى والخاصة.
·        مرحلة التعليم المهني.
·        مرحلة التعليم العالي كان لديهم جامعات تدرس علوم الرياضيات والفلك والطب والهندسة.
ت‌-  التربية عند بني إسرائيل:
      قبل ظهور المسيحية كانت التربية لدى العبرانيين تربية أسرية منزلية فلم تكن لديهم أي مدارس نظامية فكان الفتيان يتعلمون القراءة والكتابة أما الفتيات فكن يتعلمن الغزل والحياكة وتهيئة الطعام ورعاية شؤون المنزل والفناء والرقص كما اهتم العبرانيون بالتربية اهتماما كبير مما ساعد على المحافظة على عادتهم ومعتقداتهم هذا طوال العصور، رغم تشردهم في مختلف بلاد العالم وقد مرت التربية عند العبرانيين بمرحلتين أساسيتين: 
·        المرحلة الأولى :التربية الدينية والقومية
      في هذه الفترة الأولى قبل ظهور المسيحية كان العبرانيون قوما بدائيين محور حياتهم الأسرة وتوجيهاتها فلم يعرفوا الدولة ولا رئيسا لهم إلا الإله كما لم يعرفوا المدارس عامة بل اعتمدوا في تربية صغارهم على الوالدين في المنزل إذ كان الأطفال يربون على الإخلاص للإله ( يهود ) وكما تقول التوراة ( كونوا قديسين مثلما أنا قديس أنا ربكم الخالد).
·        المرحلة الثانية : تقدم التعليم العام:
     اختلف التعليم بعد ظهور الديانة المسيحية في هذه الفترة إذ أخذ العبرانيون بالتربية العسكرية كثيرا حيث أصبحت التربية عامة تهدف إلى تعليم الأطفال شؤون الثقافة والفكر، بعد أن كانت مقتصرة على تعليم المبادئ الخلقية الطيبة والعادات الدينية المقدسة وكان الطفل اليهودي يدخل المدرسة في سن السادسة حيث يتعلم فيها القراءة والكتابة وشيئا من التاريخ الطبيعي وكثيرا من الهندسة والفلك ويتضح مدى اهتمام اليهود وعنايتهم بإنشاء المدارس من الفقرة التالية الواردة في التلموذ ( إذ لا يتجاوز عدد الأطفال خمسة وعشرين ، قاد المدرسة معلم واحد ، وإذا جاوز هذا العدد فعلى المدينة أن تؤجر مساعد له وإذا جاوز الأربعين لازمها معلمان ) ومما هو جدير بالذكر إن التربية النصرانية بينت التربية الشرقية الجامدة والمحافظة والتي تحد من حرية الفرد ونموه الشخصي وركزت على هذا الجانب الأخير وساعدت على تطويرها كثيرا.
ث‌-  التربية عند اليونان والرومان:
    التربية الغربية كتربية اليونان والرومان قد تميزت بروح التجديد والابتكار والحرية الفردية وكانت غاية التربية أن يصل الإنسان إلى الحياة السعيدة و الجميلة ويكون ذالك بوصوله إلى الكمال الجسمي و العقلي وكان الإغريق هم أول من تناول التربية من زوايا فلسفية وكانت التربية محور اهتمام فلاسفة أثينا حتى أن البعض يرى بان الثقافة والأفكار اليونانية هي أساس معظم الثقافات التي ظهرت في أوربا وهم ينكرون ما قدمته الحضارات الأخرى.
      أما التربية، عند الرومان فكان للدين اثر كبير على الرومان على عكس ما كانت التربية اليونانية التي لم يكن للدين اثر عليها،كما أن التربية اليونانية تربية علمية فنية مثالية في حين أن التربية الرومانية كانت علمية مادية ،نفعية وكان غايتها خلق الفرد المتمرس في الفنون العسكرية والمتدرب على الشؤون الحياتية العلمية .
ج‌-    التربية عند العرب القدامى: 
      كان العرب في الجاهلية ينقسمون إلى قسمين كبيرين هما البدو والحضر وكانت العائلة هي أهم الوسائط التربوية عند العرب وخاصة البدو منهم وكان أهم ما يتعلمه البدو هو الصيد والرماية والقنص وإعداد آلات الحرب بالإضافة إلى تعلم القتال لردع الأعداء ومنازلة الوحوش الصحراوية وكانت الوسيلة التربوية المتبعة في ذلك كله هي المحاكاة والتقليد أو طريقة النصح والإرشاد من الكبار السن وشيوخ العشائر.
     وفي غمار التقاليد الجامدة المتبنية عاش سكان شبه الجزيرة العربية وكانت ذخيرتهم العقلية ما يتوارثونه جيلا عن جيل ويقول دي بور De Boer  (ولم تكن عندهم الثمرات التي يتوصل إليها بالاجتهاد والتضامن الاجتماعي ولا الآثار الفنية الجميلة التي يؤتيها الفراغ والترف ولم يصلوا في التمدن إلى مرتبة أعلى من ذلك إلا بأطراف تلك الصحراء، في دول تكونت بعض الشيء كثيرا ما كانت تتعرض لغارات يشنها البدو.. ) وهكذا كان الحال في شبه الجزيرة العربية ولم تكن وحدة سياسية، ولكن كانت هناك وحدة اللغة والاهتمام بالشعر وقوافيه وأوزانه، حتى أن العرب انزلوا الشعراء بينهم منزلة حسنة وقد تخيرت القبائل أرجح رجالها عقلا وأعلى حكمة ليكونوا شيوخا فيها يحكمون بين الناس وترابطت القبائل فيما بينها بروابط التجارة والسوق الأدبية حتى أنه يقال أن قصائد الشعر الساحرة كانت تنزل في أول الأمر منزلة وحي الكهان وكانت القبائل ترفع السيوف بعد سلام سعيا وراء خير أو رد للإهانة. وكانت التربية مقتصرة على تعليم الأطفال القراءة والكتابة وقليل من الحساب....